بلاغة النعي و غربة الفنان

نشر بتاريخ : الجمعة 25 نوفمبر 2016

chaoui

محمد الشاوي (*)
يتأطر هذا العمل ضمن الفن الأكاديمي الكلاسيكي؛ وهو عبارة عن لوحة بورتريه عبّر من خلالها الفنان الإسباني ابن مدينة إشبيلية “لوقَاسْ بَالْدِسْ ” عن موت للحاضروللمستقبل في الآن نفسه، بطريقة إنطباعية تمزج بين الواقع التعبيري والخيال الفني الذي أضفى بعدا تصويريا لمشهد الوفاة. ولمن أراد التعرف أكثر على اللوحة، فهي موجودة بمتحف الفنون الجميلة بإشبيلية باعتبارها إرثا فنيا خالدا تعود بنا إلى أواخر القرن السادس عشر وبداية القرن الثامن عشر الميلادي.
“سان فرانسيسكو دي پاولا” الذي فارق الحياة وأبى أن يغادرها لكن الموت لا يعرف معنى الإنتظار. ربما هو بؤس القدر وشقاء الحاضر الذي عاشه هذا الفنان هو الدافع الغير مباشر الذي ألح بقوة على زميله وصديقه لوقاس بالديس لكي يصوّر لنا بلاغة قل نظيرها في التعبير الجمالي لآفة الموت.
تَنْتَحُ هذه البلاغة من فن التصوير والتشخيص الكلاسيكي لرموز الثقافة على غرار عدة أعمال نسجت على هذا المنوال. لكن طريقة توظيف الشخوص في اللوحة الحامل تبتغي طريقا رحبا يزاوج بين الفكرة المعبّر عنها والتخييل الجمالي؛ إنها شبيهة بالكتابة الأدبية في جانبها الإبداعي التخييلي الذي يتخذ الكاتب سندا رئيساً في عملية السرد، وبين عملية مزج الواقع في نفس البنية التخييلية، وبتصور فني يدخل المتلقي/ القارئ في عوالم الممكن والنسبي، لتغدو الحقيقة الأدبية والجمالية الإسطيتيقية وجهان لعملة واحدة .
و لتعميق هذه الرؤية يمكن إستنباط ثلاث مكونات جمالية ثاوية داخل اللوحة الحامل تفسر لنا تصوير الموت في ثلاثة أزمنة: الحاضر الماضي والمستقبل. كيف ذلك ؟
أ) الحاضر:
وظف الفنان باديس هذا الزمن في شخصية الشاب الملقى على الأرض داخل فضاء المرسم
حيث عمل على جعله معكوسا لا يمكن رؤيته بجلاء إلا إذا قمنا بقلب اللوحة أو بقلب رؤسنا نحن الأسفل بطريقة هيجيلية، تلك التي قال عنها ماركس أن أستاذه كان يمشي على رأسه أو كما نُقلت إلينا عبر تاريخ الفلسفة.
إن وفاة هذا الشاب في شبابه هو خير دليل على غربة الفنان في حاضره وصعوبة فهمه من طرف مجتمعه الذي لم يستوعب بعد معنى الفن وحقيقة الفنان/ الرسام الذي يصور الواقع وفق أفكار جمالية تبتغي خلق الجديد.
ب) الماضي:
يتخذ مفهوم الماضي في هذه اللوحة بعدا أنطولوجيا، فهو ما كان في السابق وما زال يطرق باب الحاضر ونطرحه أيضاً في إستشرافنا للمستقبل . إنه بتعبير آخر هذه اللوحة بوصفها أثرا وباعتبارها إرثا تاريخيا وإنسانيا. فالماضي أيضاً ما يرسمه الطفل/ الملاك ذو الجناحين من خلال البورتريه ذو الخلفية السوداء الداكنة، تلك التي لا نرى من خلالها إلا بياض اللحية وبعض ملامح وجه الفقيد وهو في الشيخوخة المبكرة،يتأمل في شبابه الذي كان وانتهى، ولم تعد ملامحه مستمرة، بل إن هاته الملامح قررت عدم الرجوع. وقد صدق الشاعر زهير بن أبي سلمى حينما قال:
وقال العذارى إنما أنت عمنا
فكان الشباب كالخليط نزايله
فأصبحن ما يعرفن إلا خليقتي
وإلا وسواد الرأس والشيب شامله
ج) المستقبل:
يظهر مفهوم المستقبل في اللوحة في الجزء الأيسر وتحديدا في البورتريه الذي يعبّر عن نفس الشخص ( الفقيد ) لكن في صورة لا تختلف عن الماضي، بتوسل اللون الأبيض والرمادي والقليل من الأسود، لكي يهيمن ويسيطر بياض الرأس واللحية على هذا البورتريه في كليته. إنها سيادة الكبر والشيخوخة المفرطة في رسم ملامح الإنسان الكهل. ويبدأ الإنسان آنئذ بالعد العكسي لوقت وفاته، وتبدأ عملية التذكر في بعدها السيكولوجي لمراحل الطفولة والشباب، ولجميع اللحظات التي حقق فيها الإنسان ذاته ومجده.
وعلى سبيل الختم فإن هذه القراءة التي تقدمنا بها تظل أنموذجا ضمن العديد من القراءات التي يمكن توظيفها في تحليل هذه اللوحة الخالدة التي لم تأخذ نصيبها هي وصاحبها من طرف النقاد الذين إهتموا بتاريخ الفن، فمعضمهم حسب تقديرنا ركز على الفيلاسكيز معتبرا إياه أقصى ما وصل إليه العصر الكلاسيكي بإسبانيا وأن من جاء بعده ينضوي ضمن نفس توجهه الفني والأكاديمي، وهذا ما ينبغي إلى إعادة النظر فيه.
————
أستاذ فلسفة وفنان تشكيلي
إشبيلية 24/11/2016

Comments

comments

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة بوابة القصر الكبير الاخبارية المستقلة الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.