اغتيال الذاكرة: “فران السويقة” بالقصر الكبير

نشر بتاريخ : الأربعاء 5 يوليو 2017

أ.د/ عبد السلام دخان:

ارتباطا بمحاولات فنية كنت أخوض غمارها مزودا بنوسطالجيا الأمكنة، رسمت لوحة ” فران السويقة” سنة 1995 في وقت كان الفران العتيق نابضا بالحياة والحكايات؛ الفران الأساس لحي السويقة، والنيارين، والأحياء المحيطة بعدوة ” الشريعة”، شهرته نابعة من جودة خدماته، وأثمنته الرخيصة بالمقارنة مثلا مع فران حي ” المرس”. فران حي السويقة كان يجاوره “استوديو” عزوز الموثق الجمالي لصور القصر الكبير في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، هاجر إلى إسبانيا ولم يعد أبدا لأعرف فيما بعد أنه كان شاعرا حقيقيا كان ينشر في جريدة الميثاق الوطني باسم مستعار، ومات في أرض لوركا في صمت. مثلما مات في صمت أيضا الرجل الأشهر في حي السويقة (صانع الأسنان) الخلوق الملقب ب” بانتشو”. – كازانوفا السويقة – الذي كان يقف باستمرار بجوار الفرن بلباسه الأبيض الناصع يهدي الكل نكتا مضحكة وحكايات غرامية عن اليهوديات الفاتنات، وعن بنات إسبانيا في زمن الاستعمار. “فران السويقة” اغتاله شبح الإسمنت مثل سينما بريس كالدوس المجاورة له، ذاكرة القصر الكبير البصرية. محو ذاكرة الفرن كان محوا لذاكرة الحي ومعها سيرة رجل مرح يحمل اسم الحسن؛ كان أمينا ويحظى بثقة الكل. كان يعرف أسرار البيوت لكنه كان يحكي دوما عن الفنانات المعجبات به مثل سعاد حسني وميرفت أمين؛ وكان يحمل معه رسائل قيل أنها لمعجبات به من هوليود وبوليود، ويحكي عن سفريات قام بها إلى مصر و الهند والصين وأمريكا، وكان يحمل صورا كثيرة ومجلات نشرت مقالات عن فنه. ولم يكن الحسن المحبوب بكثرة من يافعات الحي شخصا مريضا أو كاذبا بل كان إنسانا لم يفهمه أحد.وضع أسراره في أدراج الفرن خوفا على إرثه الثمين، ولم يكن يعلم أنه سيجد نفسه خارج نعيم الفرن الذي طاله الهدم، ليجد نفسه في دار العجزة بالقصر الكبير، دار لا تتوفر على أدنى شروط العيش الكريم. لا أثر اليوم” لفران السويقة” كذاكرة حية للمكان، اختفى هذا المكان مثلما اختفت سيرة” الحسن” الفنان.

Comments

comments

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة بوابة القصر الكبير الاخبارية المستقلة الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.