الفنان حسن البراق بين مكنون النفس وإفصاح الطبيعة

نشر بتاريخ : الأربعاء 11 يناير 2017

barak

ذ محمد الموذن
الفنان حسن البراق بين مكنون النفس وإفصاح الطبيعة
كثير هم أولائك الذين يكتبون أشعارا، وكثير هم كذلك الذين يعزفون أنغاما، وهناك تتناسل أسماء من يرسمون خطوطا، وعلى القماش يطلون أصباغا، ولكن القليل من القلة الذين يبصمون إبداعا، أدبا، أو موسيقى، أو تشكيلا. ففي الميدان التشكيلي على سبيل المثال لا الحصر تتزاحم أسماء نكرة بحثا لها عن فرصة للمشاركة في معرض جماعي، أو تقتنص مناسبة لتنظيم معرض شخصي، أو تختصر الزمان والمكان، وتتسلق الجدار الأزرق، لتغطي واجهته بلوحات تشكيلية، هي أقرب من الإشكال منها إلى التشكيل، وهنا تكمن مشكلة الفن التشكيلي الذي يحتاج إلى حمايته من الرداءة والابتذال، وهو في حاجة كذلك إلى دعم ملكة الإبداع، وقيم الجمال. خارج هذا السرب الضال، الذي لم يتعلم بعد التحليق في سماء الفن الرفيع، والتمييز بين ألوان الطيف، وقوس قزح نجد قليلا من الفنانين التشكيليين الموهوبين، المكونين أكاديميا، المؤهلين ﻹنتاج فن راق، تتجاوب معه الروح، وترتاح له العين، ويستحسنه الذوق، ويتفاعل معه الوجدان، من بين هؤلاء التشكيليين الأستاذ المربي حسن البراق، الفنان الذي يسكن بين زوايا لوحاته، يلوح لك مبتسما أو غاضبا، راضيا أو ساخطا، حتما ستكتشفه شاخصا وراء خلفية أعماله، بوده، ووداعته، وتواضعه، وخجله، ووفائه، أما إذا أمعنت النظر ستجده هو اللوحة ذاتها. أعد قراءة اللوحة، يبد لك حسن البراق الإنسان، الذي مل نفاق البشر، وفساد الأخلاق، وتردي قيم المجتمع، يشتكي إلى نفسه من نفسه، ومن برجماتية الصديق، وخذلان القريب، ونكران الجميل. أعد قراءة اللوحة، تجاوز مدى الإطار والخطوط والألوان، يظهر لك الفنان حسن البراق مضطربا قلقا، غير مطمئن على الحاضر، انصرف عنه الماضي قبل أن يتم إنجاز مشروع لوحته الكبرى، “لوحة الحياة”، يقلقه الجدل العقيم، يتوجس من كثرة السؤال، ويتخوف من أن يرمي الغرباء الحجارة على صرح الزجاج، لأن نفسه من معدن بلوري شفاف، وروحه من صفاء ورهيف الإحساس. أعد قراءة لوحة الفنان حسن البراق تجده قد انفلت من ذاته، وارتمى في أحضان الطبيعة الأم، هاربا من ظروف حياتنا الرهيبة، وأوضاعنا الاجتماعية المضطربة المقلقة، يحتمي بوديانها وسهولها، وبسمائها وبحارها، يبحث عن الصفاء والمودة والسكينة والوفاء، يبحث عن الإخلاص، والصدق في المعاملة، وعن راحة الذات، وفي لحظة مخاض وإبداع ينسلخ الفنان حسن البراق من سطوة الأنا العليا، ومن الضوابط والقيود الاجتماعية، ويتحرر من مراقبة العقل، ومحاسبة الضمير، ليبوح بأسراره في خلوته مع الطبيعة، ويناشدها أن تغير أحوال البشر، وتعيد للجميع بسمة الحياة، والأمل، والسعادة والهناء، لكن هذه الطبيعة رغم إصغائها لأنيننا وشكوانا، فغالبا لا تجود علينا بما نريد ونرضى، وتلك معضلة الناس جميعا، ومعادلة إنسانية مستعصية الفهم والحل. أعد قراءة لوحات حسن البراق تجد نفسك جنبا إلى جنب مع هذا الفنان، بل قد تجد نفسك هو، وتذرك أنه أحسن ترجمان لأحاسيسك، يعبر عن انشغالاتك ومعاناتك، يلامس روحك، ويدغدغ أوتار وجدانك، فتطمئن للوحاته نفسك، ويعجب بجمالها ذوقك، فتقول ونقول معك: الأستاذ حسن البراق فنان تشكيلي مبدع، رهيف الإحساس، حسن الطوية، مالك لنصية الريشة والألوان. قراءة في بعض لوحات ذ حسن البراق اللوحة الأولى:
1منظر للطبيعة الحية’ غابة خلال فصل الخريف، الجو ينذر بالتقلبات المناخية، من الصفاء والهدوء، إلى الاضطراب والذبول، وتساقط أوراق الشجر، ورغم هذه الظروف البيئية أو النفسية السيئة يظهر في عمق اللوحة نور الأمل، وتحسن الأحوال. اللوحة الثانية:
2منظر للطبية المتحركة، شاطئ البحر الذي تتقاذفه أمواج المد والجزر، ألوان البحر والأرض داكنة، تستمد قتامتها من اضطراب نفسية الفنان، أما السماء تتخللها ألوان تميل تدريجيا إلى الصفاء، فاللوحة تعبر عن مرحلة انتقالية ظرفية من حالة غضب إلى حالة ارتياح وهدوء. اللوحة الثالثة:
3شجرتان في غابة، لوحة معبرة عن حالة نفسية تتوجس شرا من المستقبل، فالغابة مهددة بالحريق، والفنان حسن البراق متخوف من أن تصل ألسنة النار إلى هاتين الشجرتين اليافعتين، اللتين لهما مكانة خاصة في نفس الفنان، يخاف على مستقبلهما، ومهتم كثيرا بحالهما ورعايتهما، إنهما يرمزان لبنت وابن ذ البراق، المتفاوتين في السن والقامة، كحال الشجرتين. اللوحة الرابعة
4: غصن ورد، لنفترض أن هذه اللوحة قد تم إنجازها بعد اللوحة الثالثة، تكون قراءتنا كالتالي: هذا الغصن هو غصن عائلة ذ حسن البراق، أب وولدان، يريد له الفنان السلامة من كل مكروه، والتألق والنجاح في الحياة، وخوفا من كل خطر محتمل أبعد الغصن عن الغابة المهددة بالاحتراق، واحتضنه بين جناحيه، وأحاطه بإطار الحرص والرعاية. اللوحة الخامسة والسادسة: قارب يرسو في البحر، ليست له مجاديف، وأربعة قوارب شراعية جاهزة، تنتظر رياح الهجرة والتغيير، لكنها هي الأخرى راسية، واللون الأزرق الصافي يغطي أكبر مساحة في اللوحتين، يبدو أن الفنان حسن البراق عندما أنجز هاتين اللوحتين كان في حالة نفسية جيدة، مرتاحا وهادئا ومطمئنا، لكنه في أناه السفلى، في الهوة واللاشعور يختبئ توأم الفنان ذاته، الذي يحرضه من حين إلى آخر على الإبحار، ولكنه لا يجرؤ على مصارحة نفسه بهذه الرغبة، ولاسيما أن واجب رعاية الأسرة لا يسمح له بالابتعاد كثيرا. كما لاحظتم، فلوحات الفنان حسن البراق ليست مجرد صور ومجسدات جامدة، بل هي ومضات من حياة إنسانية، وقطع فنية حية، يستمتع بها من يحسن قراءتها، والتأمل في ثناياها، ويتفاعل مع مواضيعها، مرة أخرى أحثكم على إعادة قراءة لوحات الفنان حسن البراق، استنطقوها تجبكم، وتأملوه تمتعكم، وحاوروها تفدكم. 

5

6

Comments

comments

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة بوابة القصر الكبير الاخبارية المستقلة الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.